على المفرش الأخضر،
يدٌ تغطي يدًا

مهدي كوفاني

قصيدة نثر تفاعلية تقرأ العراقي من خلال التمثال، والمفرش الأخضر، وورقةٍ تنتظر توقيعًا لم يحدث.

منحوتة على المفرش الأخضر، يد تغطي يداً لمهدي كوفاني
على المفرشِ الأخضر

ذلك الذي كان يومًا أخضرَ فعلًا،
يجلس العراقيُّ في هيئةِ تمثال.

ليس لأن الحجر أشدُّ قسوةً من اللحم،
بل لأن اللحم تعب من شرح نفسه.
يُسدلُ رأسَه على ركبةٍ واحدة،
والزمنُ من حوله لا يمرّ… يتراجع.

يده اليسرى تغطي اليمنى،
كي لا يوقّع.

كي لا يُستدرج إلى ختمٍ جديد،
إلى ورقةٍ جديدة،
إلى " تعال باچر"،
إلى صيغةٍ رسميةٍ للخيبة.
قريبًا منه قنينةُ تعبئةِ القدّاحة.
نارٌ صغيرة،
لا تشعلُ قدراً ولا بيتاً،
بل تشعلُ دقيقةً…
كي يبقى الاسمُ صالحًا للاستعمال.

الدخان يخرج مثل جملةٍ محفوظة: "شكو ماكو".
ولا يردّ الفم؛ كأنه يتدرّب على النجاة.
ثم يعود كل شيءٍ إلى مكانه:
الألم في الداخل،
والسخرية على الشفاه.
خلف التمثال جوقةُ أدوات الطعام.
صحونٌ لا تعرف لمن تُرتَّب،
ملاعقُ تتعلم الصمت،
وسكاكينُ تفهم القسمة قبل أن تفهم اللحم :

المحاصصة أولاً،
ثم تُوزَّع الحياةُ على الفتات.
في العراق،
لا يبدأ اليوم بالساعة…
يبدأ بالسؤال عن السيولة.

السيولة ليست رقمًا في وزارة،
السيولة هي أن تُمسك "الورقة"
فتخاف أن تذوب قيمتها بين أصابعك.
الورقة هي القياس،
لكن القياس نفسه مريض :
تسعّر البيت بورقة،
وتسعّر الخوف بورقتين،
وتسعّر الغد بما لا تملكه.
والرواتب؟
الرواتب ليست رزقًا؛
الرواتب موعدٌ يعلّم الناس معنى الانتظار.
تأتي متأخرةً مثل اعتذارٍ كسول،
ثم تجبر السوق على أن يبتسم في يوم واحد
كي لا يموت الشهر كله.
وفي الزاوية
يمرّ " الفضائي".
يقْبض وهو غير موجود،
كأن الغياب أصبح وظيفةً رسمية
وكأن الحضور يحتاج تزكيةً من الألم.
لهذا صارت أولويات العراقي
ليست فلسفةً ولا برنامجًا :
أن يحتمي من القفّاص.

" القفّاص" لا يبيعك سلعة؛
يبيعك ثقةً مؤقتةً بإيصالٍ مزوّر.
القفّاص يمشي في السوق
كأنه دولةٌ صغيرة بلا محكمة،
وحين تُمسك جيبك خوفًا،
تكتشف أن الخوف نفسه جزءٌ من الضريبة.
ثم يأتي "الانسداد".
لا كخبرٍ سياسي،
بل كهواءٍ ثقيلٍ في الغرفة.

الانسداد يعني أن الطريق لا يفتح،
أن الورقة لا تكفي،
أن الراتب يتأخر،
أن التمثال يزداد حجرًا.
يُقال: "الإطار".
تُقال الكلمة كأنها إطارُ صورة،
لكن الصورة تضيق.

كلما قالوا: "توافق"،
فهمتَ أنها سلةٌ واحدة
يوضع فيها المستقبل مع الماضي
ثم تُربط بخيط مصالح لا ينقطع.
ومع ذلك
الشباب يفتّشون عن ثقبٍ في الجدار.
يسمّونه: " الطشّة ".
الطشّة ليست تسليةً فقط؛
الطشّة بابُ نجاةٍ حين يغلق الواقع أبوابه.
على شاشةٍ من كريستال
يصنعون نسخةً أقل بؤسًا من الشارع،
يقولون: كبسوا…
ليرتفع الصوت.

ثم تأتي تهمة المحتوى الهابط
مثل شرطيٍّ يدخل الهاتف،
فتتعلم الضحكة أن تُخفّف نفسها،
ويتعلم الكلام أن يتهجّى الخوف.
في الخارج
"المولدة" تكتب قانونها بديزلٍ وصوت.
و"الهورن" يشطر الصباح إلى نصفين.
و"التكتك" يجرّ المدينة من حفرةٍ إلى حفرة
كأنه يجرّ العراق من وعدٍ إلى وعد.
على الجدار لافتة: طريق التنمية.
اللافتة تلمع،
لكنها لا تُسعف الجيب من القفّاص،
ولا تُسعف الورقة من السيولة،
ولا تُسعف الراتب من التأجيل.

اللافتة مستقبلٌ بصيغة إعلان،
والشارع حاضرٌ بصيغة نجاة.
وعلى المفرش الأخضر
يبقى التمثال- العراقي -
يغطي يده كي لا يوقّع.

لا لأن التوقيع يغيّر شيئًا،
بل لأن التوقيع يعني الاعتراف
بأن المنفى صار عقدًا،
وأن العراق صار بندًا في الهامش.
قُيِّد باعتباره :

بلدًا يعودُ إلى أهله
على هيئةِ مفردات :

قفّاص… ورقة… سيولة… رواتب… انسداد… طشّة…
ثم يعودُ إلى التمثال
كي يتعلم كيف يبقى واقفًا
وهو جاثٍ
***

على المفرش الأخضر، يدٌ تغطي يدًا

مهدي كوفاني

على المفرشِ الأخضر
ذلك الذي كان يومًا أخضرَ فعلًا،
يجلس العراقيُّ في هيئةِ تمثال.
ليس لأن الحجر أشدُّ قسوةً من اللحم،
بل لأن اللحم تعب من شرح نفسه.

يُسدلُ رأسَه على ركبةٍ واحدة،
والزمنُ من حوله لا يمرّ… يتراجع.
يده اليسرى تغطي اليمنى،
كي لا يوقّع.
كي لا يُستدرج إلى ختمٍ جديد،
إلى ورقةٍ جديدة،
إلى " تعال باچر"،
إلى صيغةٍ رسميةٍ للخيبة.

قريبًا منه قنينةُ تعبئةِ القدّاحة.
نارٌ صغيرة،
لا تشعلُ قدراً ولا بيتاً،
بل تشعلُ دقيقةً…
كي يبقى الاسمُ صالحًا للاستعمال.
الدخان يخرج مثل جملةٍ محفوظة: "شكو ماكو".
ولا يردّ الفم؛ كأنه يتدرّب على النجاة.
ثم يعود كل شيءٍ إلى مكانه:
الألم في الداخل،
والسخرية على الشفاه.

خلف التمثال جوقةُ أدوات الطعام.
صحونٌ لا تعرف لمن تُرتَّب،
ملاعقُ تتعلم الصمت،
وسكاكينُ تفهم القسمة قبل أن تفهم اللحم :
المحاصصة أولاً،
ثم تُوزَّع الحياةُ على الفتات.

في العراق،
لا يبدأ اليوم بالساعة…
يبدأ بالسؤال عن السيولة.
السيولة ليست رقمًا في وزارة،
السيولة هي أن تُمسك "الورقة"
فتخاف أن تذوب قيمتها بين أصابعك.
الورقة هي القياس،
لكن القياس نفسه مريض :
تسعّر البيت بورقة،
وتسعّر الخوف بورقتين،
وتسعّر الغد بما لا تملكه.

والرواتب؟
الرواتب ليست رزقًا؛
الرواتب موعدٌ يعلّم الناس معنى الانتظار.
تأتي متأخرةً مثل اعتذارٍ كسول،
ثم تجبر السوق على أن يبتسم في يوم واحد
كي لا يموت الشهر كله.

وفي الزاوية
يمرّ " الفضائي".
يقْبض وهو غير موجود،
كأن الغياب أصبح وظيفةً رسمية
وكأن الحضور يحتاج تزكيةً من الألم.

لهذا صارت أولويات العراقي
ليست فلسفةً ولا برنامجًا :
أن يحتمي من القفّاص.
" القفّاص" لا يبيعك سلعة؛
يبيعك ثقةً مؤقتةً بإيصالٍ مزوّر.
القفّاص يمشي في السوق
كأنه دولةٌ صغيرة بلا محكمة،
وحين تُمسك جيبك خوفًا،
تكتشف أن الخوف نفسه جزءٌ من الضريبة.

ثم يأتي "الانسداد".
لا كخبرٍ سياسي،
بل كهواءٍ ثقيلٍ في الغرفة.
الانسداد يعني أن الطريق لا يفتح،
أن الورقة لا تكفي،
أن الراتب يتأخر،
أن التمثال يزداد حجرًا.

يُقال: "الإطار".
تُقال الكلمة كأنها إطارُ صورة،
لكن الصورة تضيق.
كلما قالوا: "توافق"،
فهمتَ أنها سلةٌ واحدة
يوضع فيها المستقبل مع الماضي
ثم تُربط بخيط مصالح لا ينقطع.

ومع ذلك
الشباب يفتّشون عن ثقبٍ في الجدار.
يسمّونه: " الطشّة ".
الطشّة ليست تسليةً فقط؛
الطشّة بابُ نجاةٍ حين يغلق الواقع أبوابه.
على شاشةٍ من كريستال
يصنعون نسخةً أقل بؤسًا من الشارع،
يقولون: كبسوا…
ليرتفع الصوت.
ثم تأتي تهمة المحتوى الهابط
مثل شرطيٍّ يدخل الهاتف،
فتتعلم الضحكة أن تُخفّف نفسها،
ويتعلم الكلام أن يتهجّى الخوف.

في الخارج
"المولدة" تكتب قانونها بديزلٍ وصوت.
و"الهورن" يشطر الصباح إلى نصفين.
و"التكتك" يجرّ المدينة من حفرةٍ إلى حفرة
كأنه يجرّ العراق من وعدٍ إلى وعد.

على الجدار لافتة: طريق التنمية.
اللافتة تلمع،
لكنها لا تُسعف الجيب من القفّاص،
ولا تُسعف الورقة من السيولة،
ولا تُسعف الراتب من التأجيل.
اللافتة مستقبلٌ بصيغة إعلان،
والشارع حاضرٌ بصيغة نجاة.

وعلى المفرش الأخضر
يبقى التمثال- العراقي -
يغطي يده كي لا يوقّع.
لا لأن التوقيع يغيّر شيئًا،
بل لأن التوقيع يعني الاعتراف
بأن المنفى صار عقدًا،
وأن العراق صار بندًا في الهامش.

قُيِّد باعتباره :
بلدًا يعودُ إلى أهله
على هيئةِ مفردات :
قفّاص… ورقة… سيولة… رواتب… انسداد… طشّة…

ثم يعودُ إلى التمثال
كي يتعلم كيف يبقى واقفًا
وهو جاثٍ

***

تمت العملية بنجاح